سياسة

ساعات حاسمة في مالي: انسحاب الجيش وتقدم المسلحين وإغلاق المطار

لأول مرة منذ سنوات: اشتباكات تصل إلى ضواحي باماكو

لم يمضِ سوى أيام على تصريح وزير خارجية مالي، عبد الله ديوب، الذي اتهم فيه “دولاً مجاورة” بإيواء جماعات إرهـ.ابية وتقديم الدعم لها، حتى فوجئت مالي صباح اليوم بتصعيد عسكري متزامن وشامل، امتد إلى أطراف العاصمة باماكو، بالتزامن مع إعلان “جبهة تحرير أزواد” المدعومة من الجزائر سيطرتها على مدينة كيدال الاستراتيجية.

يشهد مشهد الأمن في مالي تدهورًا خطيرًا وغير مسبوق، إذ لم تعد رقعة الصراع محصورة في الشمال البعيد، بل امتدت لتطال محيط العاصمة باماكو، في تصعيد يعيد خلط أوراق الأزمة التي تعصف بالدولة منذ أكثر من عقد.

ففي تطور دراماتيكي، أفادت مصادر محلية اليوم السبت باندلاع اشتباكات عنيفة قرب باماكو، تزامنت مع هجمات نوعية في شمال البلاد، مما دفع الولايات المتحدة وعددًا من الدول الأوروبية إلى إصدار تحذيرات عاجلة لرعاياها، داعية إياهم إلى أقصى درجات الحذر أو مغادرة الأراضي المالية.

على الجبهة الشمالية، تمكن مسلحون من السيطرة على القصر الحكومي في مدينة كيدال (شمال شرق مالي) عقب انسحاب القوات الحكومية والمسؤولين، في مؤشر على انهيار سريع للسيطرة الرسمية على هذا المعقل التاريخي للتمرد. كما تداول ناشطون تسجيلات مصورة تظهر قوافل لعناصر جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (المرتبطة بتنظيم القاعدة) وهي تتجه جنوبًا نحو مناطق قريبة من العاصمة، وسط مواجهات متقطعة مع الجيش المالي وعناصر روسية من “فيلق إفريقيا”.

اقتراب النار من العاصمة

في باماكو، أكد الجيش المالي أن “جماعات إرهـ.ابية” استهدفت ثكنات ومواقع عسكرية، مشيرًا إلى أن قواته تعمل على تحييد المهاجمين. وشهدت المناطق المحيطة بمطار موديبو كيتا الدولي (على بُعد 15 كيلومترًا من وسط العاصمة) دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف، فيما حلقّت مروحيات عسكرية في أجواء الضواحي، مما يعكس اتساع رقعة الاشتباكات.

وقال سكان في مدن أخرى إنهم سمعوا أصوات إطلاق نار، مما يشير إلى تنسيق الهجمات وتزامنها على عدة جبهات.

أما في كيدال، فقد أفادت مصادر محلية بدخول مسلحين إلى المدينة وسيطرتهم على أحياء واسعة، وسط صور تظهر رفع علم “جبهة تحرير أزواد” فوق مواقع عسكرية، وهو تطور يعيد إلى الواجهة الحركات الانفصالية إلى جانب الجماعات الجهـ.ادية. وادعى متحدث باسم الجبهة أن قواته باتت تسيطر على مناطق في كيدال وغاو، رغم غياب تأكيدات مستقلة.

ردود فعل دولية وإغلاق المطار

التحذيرات الأميركية دعت الرعايا إلى البقاء في أماكنهم وتجنب مطار باماكو ومنطقة كاتي، بينما نصحت بريطانيا بعدم السفر إلى مالي تمامًا. من جهتها، وصفت السفارة الألمانية الوضع بـ”غير الواضح”، مؤكدة إغلاق المطار وداعية مواطنيها إلى الاحتماء بأماكن آمنة.

جذور الأزمة وسيناريوهات قادمة

تعيش مالي منذ 2012 على وقع صراع معقد يجمع بين الجماعات الجهـ.ادية (من قبيل تنظيمي القاعدة و”داعـ.ش”) وحركات انفصالية تطالب بدولة “أزواد” في الشمال. ورغم توقيع اتفاق سلام في 2015، فإن انهياره لاحقًا، وتراجع الدور الدولي، واعتماد باماكو المتزايد على الدعم الروسي، كلها عوامل أعادت إشعال المواجهات.

لكن الجديد في التصعيد الحالي هو خروج المعارك من حدود الشمال لتطال محيط العاصمة، مما يبرز قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات متزامنة وواسعة، ويكشف هشاشة السيطرة الأمنية. كما تثير قدرة هذه القوافل على التحرك بشبه حرية نحو الجنوب تساؤلات جدية حول جاهزية الجيش.

وتقع مدينة كيدال، التي أعلن انفصاليو أزواد السيطرة عليها اليوم، في شرق مالي على الحدود مع الجزائر. ولم تقتصر العمليات على كيدال، بل امتدت إلى مناطق استراتيجية أخرى، من بينها غاو في الشمال وسيفاري في الوسط، بالإضافة إلى منطقة “كاتي” القريبة من مقر إقامة الرئيس الانتقالي. وهذا يؤكد الطابع النوعي لهذه العمليات. غير أن الجيش المالي أعلن السيطرة على الوضع، مشيرًا إلى “القضاء على الإرهـ.ابيين وتدمير معداتهم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى