يشهد المشهد الفرنسي تصاعدًا في وتيرة الجدل المحتدم حول أوضاع النساء المسلمات المحجبات، في ظل اتهامات متزايدة بتعرضهن لتمييز ممنهج يحد من فرصهن المهنية ويغلق أمامهن أبواب قطاعات حيوية، تتراوح بين المحاماة والتعليم، وصولًا إلى الصحافة والقطاع الصحي.
تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” يكشف أن هذه النساء يواجهن عقبات متصاعدة في مسارهن الوظيفي، جراء سياسات وقوانين وتأويلات متشعبة لمبدأ العلمانية، ما دفع حقوقيين وخبراء قانونيين إلى إطلاق تحذيرات من تحول هذه الممارسات إلى تمييز مؤسسي بامتياز.
وفي هذا السياق، يرى المحامي الفرنسي المتخصص في قضايا المساواة ومكافحة التمييز، سليمان بن عاشور، أن النساء المسلمات الحاصلات على مستويات تعليمية رفيعة يكنّ أكثر عرضة للاستهداف، بحكم حضورهن البارز في الفضاء العام، مشددًا على أن الاندماج المهني لم يعد كافياً لحمايتهن من العنصرية أو الإسلاموفوبيا.
وكانت قضية المحامية يسرى مرزوق محطة فارقة في هذا الصدد، إذ أثارت جدلًا واسعًا بعد تعرّضها لحملة انتقادات وهجمات شرسة على منصات التواصل الاجتماعي، لمجرد ظهورها بالحجاب خلال مقابلة تلفزيونية. واعتبرت مرزوق أن تلك الهجمات تهدف إلى تصوير المحجبات كتهديد للمجتمع، مستغلةً مفهوم العلمانية لتقييد حضورهن المهني.
ويرى مراقبون قانونيون أن الجدل تجاوز حدود السجال السياسي أو الإعلامي، ليمتدّ إلى مؤسسات الدولة ومهن بأكملها، فرضت قيوداً مباشرة أو غير مباشرة على ارتداء الحجاب.
ففي قطاع المحاماة، تفرض بعض نقابات المحامين والمحاكم على المحاميات خلع الحجاب أثناء المرافعات، استنادًا إلى قرارات قضائية تشترط أن يكون الزي المهني هو العنصر الوحيد الظاهر داخل قاعات العدل. وهو ما دفع بعض المحاميات المسلمات إلى التخلي عن المهنة أو تقليص نشاطهن.
أما في قطاع التعليم، فتعرضت معلمات مسلمات لضغوط متصاعدة بسبب ارتدائهن أغطية رأس أو قبعات اعتُبرت ذات دلالة دينية، مما اضطر بعضهن إلى ترك وظائفهن بعد سنوات من العطاء.
وفي المستشفيات، برزت حالات مثيرة للجدل، حيث تمت معاقبة أو فصل عاملات صحيات بسبب ارتدائهن أغطية رأس طبية، رغم استخدامها على نطاق واسع في الأوساط الطبية، إلا أن إدارات المستشفيات رأت فيها رموزًا دينية.
ولم تقتصر القيود على ذلك، بل تجاوزتها إلى المجال الإعلامي، حيث يشكو صحفيون وحقوقيون من صعوبات تواجهها الصحفيات المحجبات في الحصول على بطاقات الصحافة، نتيجة تشديد قواعد الصور الرسمية المطلوبة.
ويؤكد المدافعون عن حقوق المسلمين في فرنسا أن هذه الإجراءات تخلق بيئة مهنية أكثر وعورة، وتحدّ فعليًا من فرص العمل والترقي مقارنة بغيرهن، وهو ما يعكسه تقرير مؤسسة “مدافع الحقوق” الفرنسية، الذي أظهر أن المحجبات يمثلن نسبة مرتفعة من شكاوى التمييز المسجلة، فيما تشير البيانات إلى أن الأشخاص المُنظَر إليهم كمسلمين يواجهون احتمالات أعلى للتمييز في التوظيف والتطوير المهني.
ويرى مختصون أن التوسع في تفسير العلمانية داخل بعض المؤسسات قد جاوز الغاية الأصلية للقانون المتمثلة في حياد الدولة، ليتحول في بعض الحالات إلى أداة تستهدف المظاهر الدينية للمسلمين، وعلى رأسها الحجاب.
في الطرف المقابل، تواصل أحزاب وشخصيات سياسية فرنسية الضغط لتشديد القيود على ارتداء الحجاب في الجامعات والأنشطة الرياضية ومجالات عامة أخرى، مما يزيد من حدة الجدل حول مستقبل الحريات الدينية وحقوق المسلمين في البلاد.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المناخ قد يُعمّق مشاعر التهميش والإقصاء لدى شريحة واسعة من المواطنات المسلمات، في وقت تتزايد فيه الدعوات الحقوقية لإيجاد توازن بين احترام العلمانية وضمان المساواة ومنع التمييز في سوق العمل.

